ابن رشد
273
تهافت التهافت
أحدهما : إن طلب الاستكمال بالكون في كل أين يمكن أن يكون له حماقة لا طاعة وما هذا كإنسان لم يكن له شغل وقد كفى المئونة في شهواته وحاجاته فقام وهو يدور في بلد أو بيت ويزعم أنه يتقرب إلى اللّه تعالى وأنه يستكمل بأن يحصل لنفسه الكون في كل مكان أمكن وزعم أن الكون في الأماكن ممكن له وليس يقدر على الجمع بينها بالعدد فاستوفاه بالنوع ، فإن فيه استكمالا وتقربا فيسفه عقله فيه ويحمل على الحماقة ويقال : الانتقال من حيز إلى حيز ومن مكان إلى مكان ليس كمالا يعتد به أو يتشوف إليه ولا فرق بين ما ذكروه وبين هذا . قلت : قد يظن أن هذا الكلام لسخفه يصدر عن أحد رجلين : إما رجل جاهل ، وإما رجل شرير ، وأبو حامد مبرأ من هاتين الصفتين ولكن قد يصدر من غير الجاهل قول جاهلي ، ومن غير الشرير قول شريري ، على جهة الندور ، ولكن يدل هذا على قصور البشر فيما يعرض لهم من الفلتات . فإنه إن سلمنا لابن سينا أن الفلك يقصد بحركته تبديل الأوضاع ، وكان تبديل أوضاعه من الموجودات التي هاهنا هو الذي يحفظ وجودها بعد أن يوجدها ، وكان هذا الفعل منه دائما فأي عبادة أعظم من هذه العبادة بمنزلة لو أن إنسانا تكلف أن يحرس مدينة من المدن من عدوها بالدوران حولها ليلا ونهارا أما كنا نرى أن هذا الفعل من أعظم الأفعال قربة إلى اللّه تعالى . وأما لو فرضنا حركة هذا الرجل حول المدينة للغرض الذي حكى هو عن ابن سينا من أنه لا يقصد في حركته إلا الاستكمال بأينات غير متناهية لقيل فيه أنه رجل مجنون وهذا هو معنى قوله سبحانه : إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا . وأما قوله فيه أنه لما لم يمكنها استيفاء الآحاد بالعدد أو جميعها استوفتها بالنوع فإنه كلام مختل غير مفهوم إلا أن يريد أن الحركة لما لم يمكن فيها أن تكون باقية بأجزائها كانت باقية بكليتها ، وذلك أن من الحركات ما هي غير باقية لا بأجزائها ولا بكليتها وهي الكائنة الفاسدة ، ومنها ما هي باقية بنوعها فاسدة كائنة بأجزائها ، ولكن مع هذا يقال فيها أنها حركة واحدة على الوجوه التي فصلت في غير ما موضع من كتبهم أنه يقال في الحركة أنها واحدة . وأما قوله : لأنه لما لم يمكنه استيفاؤها بالعدد استوفاها بالنوع ، فكلام باطل . لأن الحركة السماوية واحدة بالعدد وإنما يقال هذا في الحركات التي دون السماء الكائنة ، وذلك أن هذه لما لم يمكن فيها أن تكون واحدة بالعدد كانت واحدة بالنوع ، وباقية به من قبل بقاء الحركة الواحدة بالعدد .